الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
63
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فَاسْتَشْهِدُوا هي الفاء المشبّهة لفاء الجواب ، وفاء فَإِنْ شَهِدُوا تفريعية ، وفاء فَأَمْسِكُوهُنَّ جزائية ، ولولا قصد الاهتمام بإعداد الشهادة قبل الحكم بالحبس في البيوت لقيل : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فأمسكوهنّ في البيوت إن شهد عليهنّ أربعة منكم . [ 17 ، 18 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 17 إلى 18 ] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 18 ) استطراد جرّ إليه قوله : فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما [ النساء : 16 ] والتوبة تقدّم الكلام عليها مستوفى في قوله ، في سورة آل عمران [ 90 ] : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ . و إِنَّمَا للحصر . و عَلَى هنا حرف للاستعلاء المجازي بمعنى التعهّد والتحقّق كقولك : عليّ لك كذا فهي تفيد تحقّق التعهّد . والمعنى : التوبة تحقّ على اللّه ، وهذا مجاز في تأكيد الوعد بقبولها حتّى جعلت كالحقّ على اللّه ، ولا شيء بواجب على اللّه إلا وجوب وعده بفضله . قال ابن عطية : إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء سمعا وليس وجوبا . وقد تسلّط الحصر على الخبر ، وهو لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ، وذكر له قيدان وهما بِجَهالَةٍ و مِنْ قَرِيبٍ . والجهالة تطلق على سوء المعاملة وعلى الإقدام على العمل دون رويّة ، وهي ما قابل الحلم ، ولذلك تطلق الجهالة على الظلم . قال عمرو بن كلثوم : ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا وقال تعالى ، حكاية عن يوسف « وإلّا تصرف عنّي كيدهنّ أصب إليهن وأكن من الجاهلين » . والمراد هنا ظلم النفس ، وذكر هذا القيد هنا لمجرّد تشويه عمل السوء ، فالباء للملابسة ، إذ لا يكون عمل السوء إلّا كذلك . وليس المراد بالجهالة ما يطلق عليه اسم الجهل ، وهو انتفاء العلم بما فعله ، لأنّ ذلك لا يسمّى جهالة ، وإنّما هو من معاني لفظ